
في زمنٍ تتسارع فيه الأيام، وتتناقص فيه الأعمار، ويشعر الإنسان بثقل المسؤوليات… يبقى السؤال الكبير:
كيف نجمع أكبر قدر من الحسنات في أعمار قصيرة؟
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم بشّر هذه الأمة بأنها – رغم قِصر أعمارها – قد فُتح لها باب عظيم من أبواب الخير، تأتي هذه السلسلة لتذكّر كل مسلم أن الطريق إلى الجنان ليس صعبًا، وأن الأعمال الصغيرة قد تُقيم له ميزانًا من الحسنات كالجبال.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ).
ورغم أن أعمار أمة النبي قصيرة مقارنة بالأمم السابقة، إلا أن الله – برحمته – يسّر لها أعمالًا قليلة الجهد… عظيمة الأجر. أعمال قد لا تستغرق دقائق، لكنها تُثقل الميزان يوم الحساب.
لا تحتقر شيئًا من المعروف
من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم الخالدة:
(لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا) رواه مسلم.
وكأنّ هذا الحديث يفتح الباب لكل أحد:
لا تنتظر عملاً ضخمًا… لا تنتظر مشروعًا كبيرًا…
يكفي خير صغير، نية صادقة.. ابتسامة .. لحظة إحسان .. وستُكتب في صحيفتك بحسنات لا يعلمها إلا الله.
قال ابن حجر رحمه الله:
“ينبغي للمرء أن لا يزهَدَ في قليلٍ من الخيرِ أن يأتيَه، ولا في قليلٍ من الشرِّ أن يجتنِبَه؛ فإنه لا يعلم الحسنةَ التي يرحمُه الله بها، ولا السيئةَ التي يسخطُ عليه بها.”
هذه الكلمات وحدها كافية لتغيّر حياة إنسان…
فربّ حسنة صغيرة كانت سببًا في دخول الجنة،
وربّ معصية صغيرة كانت سببًا في الشقاء.
في مشهد عجيب من السيرة، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد تغطّى بالحديد، يستعد للقتال، فقال:
يا رسول الله، أُسلم أولًا أم أُقاتل؟
فقال له النبي: أسلِمْ ثم قاتِل.
فأسلم الرجل، وقاتل، وقُتل…
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عمل قليلاً وأُجر كثيرًا.
قصة واحدة… لكنها تكشف قاعدة عظيمة:
ليس طول العمل هو الذي يرفع صاحبه،
بل صدق النية، وصفاء القلب، ولحظة إخلاص لا يعلمها أحد.
نفقة صغيرة… تسبق الكبيرة
قال الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾
قدّم الله النفقة الصغيرة قبل الكبيرة،
لأن الصغيرة هي التي قد يعجب بها الإنسان أو يستهين بها،
لكن الله يراها… ويكتبها… ويجعلها سببًا للبركة.
وفي الصحيحين: (اتقوا النار ولو بشق تمرة)
ولو نصف تمرة!
ولو كلمة طيبة!
ولو دعاء لصديق!
ولو ابتسامة لوالديك!
إنه دين عظيم… دين يجعل الصغير كبيرًا، والقليل كثيرًا.
فلا تحقرن من المعروف شيئًا
كما يقول أهل الحكمة:
“لا تحقرن صغيرة، إن الجبال من الحصى.”
كل جبل بدأ بحصاة،
وكل صحيفة حسنات تُبنى بحسنة واحدة… ثم أخرى… ثم أخرى،
حتى تقف يوم القيامة أمام ميزان يمتلئ بما لم تكن تتوقعه.
هذه السلسلة ستكون رفيقك في الأيام القادمة…
كل جزء فيها يقدّم لك عملًا يسيرًا،
لكنه يرفعك عند الله درجات.
ابدأ الآن… لا تنتظر…
رب حسنة واحدة صادقة تُغيّر مصيرك.